أحمد بن علي القلقشندي

310

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بسيوفهم الحداد ، ومزّقت رماحهم من مخالفي دينهم القويم القلوب والأكباد ، وسلَّم تسليما كثيرا إلى يوم التّناد . وبعد ، فلمّا كانت المملكة القبليّة جلّ البلاد الشامية ، وبها أرزاق العساكر الإسلامية ، وطريق الحاجّ إلى بيت اللَّه الحرام ، وزيارة نبيّه عليه أفضل الصّلاة والسلام ، وإلى الأرض المقدّسة ، التي هي على الخيرات مؤسّسة ، وإلى الأبواب الشريفة السلطانية ، وممر التّجار قاصدين الدّيار المصريّة ، ومنازل العربان ، ومواطن العشران ( 1 ) - وجب أن يفوّض حكمها إلى من عرف بالشّهامة والشجاعة ، واليقظة الَّتي لا يغفل بها عن مصلحة المسلمين ساعة ؛ من أثمر غرسه وما يفوّه ، وأينع بالمروءة والفتوّة ، وتقدّم في الكمال على زيد وعمرو ، وأضرم في قلوب الأعداء نارا أحرّ من الجمر . وكان الجناب الكريم - أدام اللَّه نعمته - هو المشهور بهذه الصّفات ، والمنعوت بالشّجاعة والإقدام وحسن الأدوات . فلذلك رسم بالأمر العالي - لا زال إحسانه يثّمر غرسا ، وجوده يسرّ نفسا - أن يستقرّ الجناب المشار إليه في كشف البلاد القبلية المحروسة على منوال من تقدّمه وعادته ، وحدوده في ذلك ومستقرّ قاعدته . فليباشر ذلك بهمّته العليّة ، وشجاعته الأحزميّة ، ونفسه الأبيّة ، وليبيّض وجهه في هذه النّوبة حتّى يطرب الناس بالنّوبة الخليليّة ، وليعدل في الكبير والصغير ، وليقمع رؤوس عشير اتخذوا رأسهم مولى : فلبئس المولى ولبئس العشير ، وليدفع أذى العرب ، وليحذّرهم شرّا اقترب ، وليكثر الركوب إلى المعاملات ، ولا يخش من كثرة الحركات ، وليعلم أنّ كلّ ما هو آت آت ، وليتخذ الشّرع الشريف إماما ، وليتوخّ أوامره ونواهيه نقضا وإبراما ، وليقف عند

--> ( 1 ) في هامش الطبعة الأميرية : « لم يرد هذا الجمع في كتب اللغة . ولعله ارتكب القياس في اللغة فجعله كرغيف ورغفان وقطيع وقطعان » .